رجلان وكلب

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رجلان وكلب

مُساهمة من طرف حسين العساف في الجمعة سبتمبر 12, 2008 8:22 am


توقفت الحافلة الصغيرة في أقصى اليمين من الطريق العام، وبعد هنيهات نزل منها رجل، وقف قليلا إلى أن تحركت الحافلة، ثم مالبث أن تلمس خطواته للمضيء في الطريق الفرعي للقرية التي يقصدها حتى يقوم بعيادة أحد أقربائه المرضى. يلقي نظرة فاحصة إلى بيوت القرية المتناثرة ، فتبدو أمام ناظرَيه بعيدة بعض الشيء، خاصة وأنه في ساعة العصر، وحرارة شهر تموز ، بيد أنه لابد أن يمضي ، ويؤدي هذا الواجب ، وهو الذي اعتاد على زيارات كهذه، واعتاد على تحمل مشقة المواصلات العامة. يدندن بأغنية ويردف خطواته في كبد الطريق غير آبه بالمسافة التي تستغرق نحو نصف ساعة من المسير.في مدخل القرية يقبع كلب على ذيله بفيء بيت طيني مهجور، وما أن لمح الرجل يتجاوزه داخلا حدود القرية حتى وثب بشدة وهو يطلق نباحا متصاعدا في قفا الرجل، يجري نحوه ويكاد يعض ساقه من الخلف ، بيد أن الرجل لم يلتفت إليه طرفة عين ، ولم يبد أي رد فعل مواصلا دندنته وخطواته الواثقة المتزنة نحو قلب القرية . عندئذ أخذ نباح الكلب يخفت رويدا رويدا إلى أن صمت تماما، وتوقفت به قوائمه، و بعد لحظات من الوقوف والنظر إلى الرجل الذي يمضي ، استدار نحو الخلف عائدا بخطوات وئيدة إلى موقعه. بعد قليل شق رجل آخر ذات الطريق، وما أن أوصلته قدماه لتخطي حدود القرية حتى أحس بأنه سقط بين فكي وحش شرس في تيه بيداء، ارتعدت أوصاله وغدا فريسة لحالة الذعر التي احتلته في مواجهة تهجم الكلب المباغت عليه، وقوة النباح التي تنطلق إليه. في تلك اللحظة الحاسمة التي استسلم فيها الرجل لهذا الهول ، وغدا اللاشعور هو الذي يقوده، أخذت خطواته تتهرول به يمنة ويسرة، لكن الكلب يسرع أكثر، ويكاد يلتقطه بفكيه مضاعفا عليه حالة الهلع. يقف الرجل محاولا الدفاع عن نفسه من خلال ركلات بقدميه يصد بها فكي الكلب ، بيد أنه يزداد نباحا شرسا والشر يطفر من عينيه ، تمتد كفه المرتعشة إلى حجر وتقذفه، لكنه يواصل نباحه الشديد ، ويدنو إليه أكثر موحيا إليه أنه سوف يلتهمه بعد لحظات. ويبدو أن الرجل لم يبق أمامه غير أن يلجا إلى الركض في محاولة أخيرة للنجاة بنفسه من براثن هذا الكلب الشرير. عندذاك ضاعف الكلب أيضا ركضه، يركض بشدة ، والكلب يطلق نباحه المتصاعد خلفه كأنه على وشك أن يأكله حيا. في تلك اللحظة لايدري كيف وقعت عيناه على الرجل الأول الذي مايزال يسير آمنا على الطريق غير آبه بما يقع خلفه على بعد خطوات ، فأصدر الرجل المذعور صراخا علـّه يلتفت إليه ، ويعينه على مقاومة الكلب ، لكنه بعد عدة صرخات أدرك بأنه رجل أطرش، فتجاوزه والكلب راكض خلفه كالسهم ، عندذاك رأى الرجل الأطرش منظر الكلب الشرس وهو يطارد الرجل المذعور وكأنه يلاحق طريدة، فأصابه ذعر شديد ، واستدارعائدا نحو الخلف، وهو يهرع بكل ما أوتيت قدماه من عزم تجنبا من عودة الكلب إليه. في تلك اللحظة الخاطفة يبدو أنه لفت نظر الكلب الذي ترك طريدته وصوّب قوائمه إليه ، ركض الرجل الأطرش وقد احتله الهلع دون أن يسمع للكلب صوتا ، ولكنه بين فينة وأخرى يستدير لينظر إلى علامات الشر في عينيه وهو يجري خلفه ويحاول أن يمسك به إلى أن وصل الطريق العام ، عندئذ تركه الكلب عائدا إلى قريته. وقف الرجل يسترد أنفاسه وكأنه نجا من زلزال. بعد أن هدأ روعه قليلا ، لبث نحو نصف ساعة واقفا على قدميه يفكر بطريقة تدخله القرية مرة أخرى وهويكيل عبارات قاسية للرجل الذي سـلـّط عليه الكلب وتسبب بطرده من القرية بهذه الطريقة المهانة بعد أن دخلها وكان على بعد خطوات من بيت قريبه. عندذاك قفز إليه سؤال مباغت: إذن، أين كان الكلب عندما دخلت القرية ؟! غدت شفته السفلى فريسة لرتلـَـي أسنانه، وارتفعت كفه لتهبط بقوة على فخذه وهو يستدير بعجالة يدب خطوات واثقة نحو القرية. لمحه الكلب مرة أخرى يتجاوزه داخلا القرية ، فوثب بعنف إليه وهو يطلق نباحا متصاعدا ، ويقترب حتى كاد يلاصق ساقه من الخلف. لبث الرجل ماضيا بهدوء دون أن يسمع شيئا، ودون أن يلتفت إلى الخلف رغم أنه يتحسس من تحت بنطاله لهب الأنفاس التي تنطلق من فم الكلب. بعد عدة خطوات توقف الكلب عن الركض ، وعن النباح ، وعاد إلى موضعه قابعا على ذيله تاركا الرجل يشق طريقه بذات الخطوات الهادئة إلى حيث يشاء.

قصةعبدالباقي يوسف: قاص وكاتب في مدينة الحسكة.

_________________
[center]حسين حمدان العسّـاف
hussienalassaf@hotmail.com

center]

حسين العساف
المدير العام
المدير العام

ذكر
عدد الرسائل : 58
تاريخ التسجيل : 24/06/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى